لزوم ما يلزم في الحضارة والآثار والنصوص المسمارية

لزوم ما يلزم في الحضارة والآثار والنصوص المسماريةأ. د. نائل حنونبعد خمسين عاماً من التخصص في علم الآثار وفي دراسة حضارة وادي الرافدين ولغاتها القديمة، وبعد تأليف ثمانية عشر كتاباً علمياً ونشر إثنين وت

أ.د. نائل حنون

أ.د. نائل حنون

بروفيسور

٢٤ سبتمبر ٢٠٢٤
18 دقائق قراءة
لزوم ما يلزم في الحضارة والآثار والنصوص المسمارية

لزوم ما يلزم في الحضارة والآثار والنصوص المسمارية

أ. د. نائل حنون

بعد خمسين عاماً من التخصص في علم الآثار وفي دراسة حضارة وادي الرافدين ولغاتها القديمة، وبعد تأليف ثمانية عشر كتاباً علمياً ونشر إثنين وتسعين بحثاً ودراسة، أستطيع الحديث عن عظمة هذه الحضارة بعيداً عن التبجح والشعارات الجوفاء. وكم من دواعي الفخر أن تنتسب إلى بلد شهد نشوء هكذا حضارة، وبلوغها المدى الذي بلغته طوال آلاف السنين، إن كنت على اطلاع ومعرفة بقدر من المعلومات الصحيحة عنها بعيداً عن الزيف والادعاء والتضليل. وإن كانت قد مرت عشرات القرون على خمود شعلة هذه الحضارة فما تزال تحت الرماد جذوة من عنفوانها في انتظار الزمن المناسب لتتوهج من جديد. وهذا الزمن المناسب يكون حين ينحسر الجهل والتعصب والتنمر، وحين يتجه القوم إلى إدراك المفهوم الحقيقي للحضارة، ويصلون إلى مستوى التفاعل مع مسببات نشوئها ودوافع بناتها الأوائل وإقبالهم على الإبداع والخلق الحضاري.

لقد قامت في وادي الرافدين حضارة رائدة أصيلة كبيرة بحجم إنجازاتها، وإن ذكرت بين الحضارات الإنسانية الأولى فهي المتميزة بما كشف عنه من مواقعها وما اكتشف من نصوصها الكتابية، وهي التي ابتكرت الكتابة الأولى وقدمتها للبشرية بنصوصها الغزيرة الغنية بالمعرفة، والمتفوقة باستعمالها الواسع في التوثيق وفي الحفظ. هذا هو الجانب المشرق، أما الجانب المعتم فهو أنها الأسوأ حظاً في الاستكشاف والفهم في مهدها، وفي غلبة الارتجال وشيوع ثقافة مواقع التواصل في مقابل النتاج العلمي المبني على نتائج جهود علمية هائلة في مجال التنقيب الأثري وقراءة النصوص المسمارية التي أنتجتها هذه الحضارة. وبسبب زخم الادعاء خيل لكثيرين أن الحديث عن الحضارة يضاهي الحديث عن الشؤون الحياتية الأخرى بحيث يمكن لأي كان أن يدلي بدلوه فيها وأن يتجنى على أي جهد علمي حتى وإن لم يرتق إلى مستوى فهمه.

البحث العلمي في مواجهة الادعاء والتضليل

هناك إدمان على التظاهر بالمعرفة وطرح الأفكار من غير علم. وإذا كان هذا يحدث في شتى المجالات فلا يمكن أن يحدث في مجال علمي معقد مثل دراسة علم الآثار والحضارة واللغتين السومرية والأكادية ونصوصهما المسمارية. فالتعامل مع المسائل الحضارية يعني التعامل مع جميع جوانب الحياة ومكوناتها وطروحاتها المادية والفكرية. وهذا يتطلب الكثير من التعلم والدراسة والالتزام بمنهج البحث العلمي والتطوير المستمر للمعلومات والاستعانة الصحيحة بالمصادر والمراجع المعتمدة فضلاً عن توافر المستوى العالي من الثقافة. وأبسط ما يجب أن يكون عليه المتلقي، قارئاً متخصصاً كان أم مثقفاً عاماً، هو التحقق من مصدر المعلومة إن كانت قد وردت في بحث علمي رصين؟ وهل مقدمها متخصص ذو باع في البحث أم جاهل يرفع صوته بما يحلو له؟

تزخر مواقع التواصل الاجتماعي اليوم بتغريدات وطروحات محرفة عن حضارة وادي الرافدين، وبعضها باللغة الإنجليزية لإضفاء المصداقية لمن يمكن أن يخدع بها. طبعاً لا يرد في مثل هذه الطروحات اسم عالم مختص ولا مصدر علمي، وإنما تورد معلومة جزئية مع تفاصيل كاذبة. وهنا لا بد أن تراودنا أسئلة عمن هو وراء هذه الطروحات؟ ومن الذي يوثقها بأفلام فديو مفبركة ومعلومات محرفة؟ وما هي المصلحة من وراء ذلك؟ لا يمكن أن تخفى الإجابة على هذه الأسئلة على فطنة القارئ الكريم إن هو فكر في الغايات المتوخاة من هذه الطروحات. وتأتي على رأس هذه الغايات اثنتان، الأولى إقناع المواطنين المعاصرين بأن الحضارة القديمة لم تكن من إنجاز الأسلاف القدماء من سكنة البلاد، وإنما من إنجاز قوم غرباء جاءوا من مكان، أو أكثر من مكان، مجهول وبعيد عن المنطقة التي دان لهم سكانها بالطاعة. وفي المقابل قام أولئك الغرباء بتعليم السكان الأصليين أصول الحضارة وبنائها. مع الإنكار الكامل لحضارة البلاد القائمة قبل وصول أولئك القوم والباقية بعدهم. والغاية الثانية بخس دور السكان الموجودين والنظر إليهم بدونية، معيبة من الناحية الأخلاقية والفكرية، وشتمهم بمناسبة أو بدون مناسبة. ولعله يمكن بسهولة إدراك أن هاتين الغايتين هما ما يطرحه الفكر الصهيوني وما تنادي به التوراة وتطبقه إسرائيل بصرامة غاشمة. والفكر المنحرف يستعين بمعطيات الحضارة القديمة، بعد تحريفها ليبرر ويعزز ما يحدث حاضراً، وفي المقابل يستعين مستقبلو هذا الفكر من بني جلدتنا هذا التحريف ويقوموا بعكس تطبيقه ليشمل الماضي البعيد، الذي يجهلونه أصلاً، والذي تفصلنا عنه آلاف السنين، ويطلقوا عليه مسميات اليوم وشعاراته. وبالتالي يساعد هؤلاء على تحقيق أهم غايتين للأعداء الذين ما عادوا بحاجة لعملاء مع وجود من يقوم بالمهمة من بيننا بضراوة وشراسة وتنمر مخزٍ.

واجهت حضارة وادي الرافدين وتواجه اليوم مخاطر لا حدود لها، طبيعية كانت أم بفعل سلوك البشر. المخاطر الطبيعية تتمثل في اختفاء جميع مخلفات هذه الحضارة تحت أطنان من الأتربة ولعشرات القرون حتى بدء الاستكشاف والتنقيب الأثري الذي لم يتوصل إليه العلم الحديث إلا قبل أقل من قرنين. وحين نأتي على المخاطر التي يسببها سلوك البشر ومقارنتها مع مخاطر الطبيعة سنجد أنها الأكثر أذى وتأثيراً. فلقد كانت الأرض أرحم بكثير في حفظ التراث الأثري من سلوك الكثير من البشر. فما هي المخاطر الناجمة عن السلوك البشري تجاه حضارة تفضلت على البشرية بالكثير؟ وقبل أن نتحدث عن هذه الأخطار يتوجب أن نؤكد أننا نقصد بالدرجة الأولى الحضارة وإبداعاتها وليست الآثار المادية فقط. في الواقع تواجه حضارة وادي الرافدين ثلاث مجموعات من الأخطار. المجموعة الأولى هي عوامل التدمير والإزالة التي تواجهها المواقع الأثرية، حافظة بقايا الحضارة وشواهدها على مر القرون. هناك مخاطر من هذا النوع ناجمة عن الزحف العمراني والمشاريع التنموية وأفعال الطبيعة. ومواجهة هذه المخاطر تتطلب استعداداً وتخطيطاً وقدرة على انجاز المشاريع الإنقاذية لمحتويات المواقع الأثرية مع عدم التخلي عن الحد الأدنى من العلمية وإتباع القواعد الصحيحة. وهناك مخاطر مترتبة على إهمال المواقع الأثرية وعدم حمايتها، وهذا يتطلب وجود مؤسسات ذات كفاءة عالية وخطط علمية وإدارية مناسبة. النوع الآخر من المخاطر في المجموعة الأولى هو التخريب والنبش في المواقع الأثرية والاستخراج غير المشروع للآثار طمعاً وجشعاً في الكسب الحرام من وراء تهريب الآثار وبيعها، من دون الاهتمام بما يترتب على هذا من تدمير معلومات هائلة عن الحضارة القديمة لا تعوض بأي شكل من الأشكال.

المجموعة الثانية من المخاطر تواجهها المخلفات والشواهد المادية من الحضارة القديمة إما بعدم اتباع القواعد الصحيحة في التنقيب الأثري وتردي مستوى التوثيق الحقلي، أو بسوء الحفظ في مخازن الآثار، وحتى في المتاحف، وإتلاف القطع الأثرية أو فقدانها بسبب سوء الإدارة وفقدان الأمانة والاستهانة بما يمكن أن تقدمه القطع الأثرية من معلومات تكشف عن جوانب مختلفة من الحضارة القديمة. ويندرج ضمن هذه المجموعة نوع آخر من المخاطر لا يقل خطراً عن الأنواع الأخرى ويتمثل في الاكتفاء بوصف القطع الأثرية المكتشفة ومن ثم خزنها أو عرضها في قاعات المتاحف. وبغياب الدراسات العلمية ونشر المعلومات الوافية والدراسات المقارنة تغيب المعرفة الحقيقية ويحل الادعاء والزيف. وفي الحقيقة أن إجراء مثل هذه الدراسات يتطلب مؤسسات علمية متمرسة في البحث العلمي وعلماء شغوفين بتخصصهم وسعيهم وراء الاكتشاف والمعرفة.

هنا نأتي على المجموعة الأكثر خطراً ضمن ما تواجهه حضارة وادي الرافدين، وهي مجموعة مخاطر تشويه الحضارة وطمس معالمها، وهي نتيجة لاستشراء مخاطر المجموعتين السابقتين، وفيها الخطوة الأخيرة في تدمير تراث واحدة من أهم وأبهى وأعظم الحضارات في تاريخ البشرية. تتمثل مخاطر هذه المجموعة في الادعاء والتزوير، الجهل والتخلف، والتآمر. ومع تقهقر الجهود العلمية وتقلصها استفحلت مخاطر هذه المجموعة وأصبح قومنا في مواجهة طيف من التشويه يرون من خلاله صورة شاحبة مهتزة لا تليق بحضارة بحجم حضارة وادي الرافدين. الادعاء هو أن يتحدث عن هذه الحضارة من هو غير مختص بها ولا دارس لمقوماتها في حقل التنقيب الأثري أم العمل المتحفي أم معرفة لغاتها القديمة. إذأً ما الذي يؤهل مثل هؤلاء لشرح مقومات حضارة معقدة وعرضها للناس؟ قد يكون بعضهم تعلم اللغة الإنجليزية فأخذ ينقل ويؤلف، أو ترجم كتاباً، وهو غير أهل لمعرفة قيمته العلمية، فعد نفسه خبيراً بالحضارة والقادر على كشف أسرارها. الأمثلة كثيرة ولا مجال هنا لذكرها ولكنني أكتفي بالإشارة إلى أن البعض، ممن يطلقون صفة المثقفين على أنفسهم تبعوا هؤلاء الادعاء وأخذوا يغالون في مناصرتهم لهم.

هل انصفت حضارة وادي الرافدين؟

ما هو حجم حضارة وادي الرافدين في مجال الحضارات الإنسانية الرائدة؟ وما الذي اكتشف منها حتى الآن؟ وما مدى معرفتنا بما اكتشف من شواهد هذه الحضارة اليوم؟ أسئلة كانت لا بد أن تطرح حتى نعرف فيما إذا كانت حضارة وادي الرافدين قد أنصفت في العصر الحديث، وبالتالي تكون قد تمت الاستفادة منها في مجالات حياتنا المعاصرة. ويقترن هذا أيضاً بما تكونه هذه الحضارة في المعرفة والثقافة المعاصرتين. هي الحضارة الأقدم في التاريخ، منذ ظهور القرى الأولى قبل نحو إثني عشر ألف عام، والأبكر في الإنجاز، في التوصل إلى الزراعة وصنع الفخار واستعمال الحجر والمعدن وابتكار الكتابة. وهي حضارة المدن الأولى من الألف الرابع قبل الميلاد، والدول الأولى من الألف الثالث قبل الميلاد، والتطور الحضاري التاريخي الشامل الأطول، لثلاثة آلاف عام، والأوسع انتشاراً على امتداد الشرق الأدنى القديم. ومن الشواهد على ذلك أكثر من عشرين ألف موقع أثري مسجل حتى الآن في العراق وحده، ناهيك عن مواقع بلاد الشام ومواقع بلدان الجوار.

إذا تحدثنا عن المدن التي وثقتها النصوص المسمارية فلدينا اسماء نحو 1800 مدينة تقريباً في العراق وحده. وإذا كان هناك من يستكثر هذا العدد فأنا أحيله إلى كتابي "الاستكشاف الأثري من وادي الفرات إلى عُمان" (بغداد، 2023م)، الذي يتضمن اسماء المدن القديمة التي ازدهرت في محافظات الفرات الأوسط (بابل، الديوانية والمثنى) فقط خلال عصور الحضارة القديمة وبلغ عددها 822 مدينة وبلدة. ويقارب هذا العدد المواقع الأثرية المسجلة فقط في هذه المحافظات العراقية الثلاث. وما يزال ما نعرفه عن هذه الحضارة العظمى كثيراً جداً، فما اكتشف من هذه المدن، حتى الآن، لا تتجاوز نسبته 4% من مجموعها. وحتى المدن التي تم اكتشاف مواقعها ما يزال الكثير من بقاياها غير مكتشف. وللقارئ الكريم أن يعرف أن مدناً كبرى مثل بابل، أور، نينوى، أوروك، نُپَّر وغيرها لم يكتشف من بقايا كل منها سوى ما يراوح ما بين 15 – 30 بالمائة رغم مضي عشرات السنين على التنقيب فيها. وللمرء أن يتصور مكونات كل مدينة من صروح (زقورات، قصور ملكية ومعابد) وبيوت ومشاغل عمل وأضرحة وآلاف الرُّقَم الطينية المدونة بمعلومات لا حصر لها من النصوص الملكية إلى الرسائل والوثائق الإدارية والمؤلفات الأدبية وسواها من المواضيع. بعبارة أخرى، ما اكتشف من هذه الحضارة ليس سوى القليل جداً، ولكن هذا "القليل" شغل الآلاف من الكتب والدوريات العلمية والبحوث والدراسات الأجنبية باللغات الإنجليزية والألمانية والفرنسية وغيرها، والنادر في العربية.

إذا كان يصعب هنا عرض الكثير من منجزات الحضارة القديمة وديمومة تأثيراتها في حياتنا المعاصرة يمكننا، على الأقل، عرض جانب واحد أو اثنين لمنجز من منجزاتها. واختيارنا هنا يتوجه إلى منجز كتابي وآخر مادي. ففي مجال الكتابة تميزت حضارة وادي الرافدين القديمة وتفوقت بالتوثيق. لقد وثق السكان القدماء لكل مجالات الحياة، وتفوقوا في هذا حتى على ما توصلت إليه بعض المجتمعات الحديثة. شمل توثيقهم الحوادث التاريخية والفلكية والطبيعية والمدن والبلدان وشؤون الحياة من سياسية واقتصادية وإدارية وقضائية فضلاً عن المعتقدات والآداب والعلوم والطب والأدوية وسائر الأمور الحياتية. ونحن هنا لا نتحدث عن مقتطفات أو جمل تذكارية، بل عن نصوص بمحتويات مفصلة ومذهلة حتى للإنسان المعاصر. ونذكر، على سبيل المثال، أن توثيق النصوص المسمارية للبلدان، من أقطار ومدن وأقوام وقبائل ومعالم طبيعية، شمل العالم القديم من أفغانستان شرقاً إلى قبرص ومصر غرباً، ومن بلاد الأناضول شمالاً إلى عُمان جنوباً وبهذا الصدد نأتي على أسماء بلدان ما تزال هي نفسها التي ذكرت في النصوص المسمارية.

مسميات النصوص المسمارية في عصرنا الحديث

لا يتوقع كثيرون أن تكون أسماء بعض البلدان والمدن المعاصرة والمعالم الطبيعية في المنطقة استمرت منذ عصور حضارة وادي الرافدين القديمة ووثقت في نصوصها، ربما مع بعض التغييرات اللفظية الطفيفة، فمن البلدان نذكر أسماء: لبنان (أطلق على سلسلة جبال لبنان الغربية بصيغة لبنان)، فلسطين (بِلِستُّ)، مصر (مُصرُ) واليونان (يونيان). ومن المعالم الطبيعية ذكرت أسماء معظم الأنهار الرئيسية في العراق وسورية في النصوص المسمارية، وهي أسماؤها الحالية نفسها، وهذه الأنهار هي: دجلة (دِجْلَةَ)، الفرات (بُراتُ)، الزاب الأعلى (زابُ أيلو)، الزاب الأسفل (زابُ شُبالو)، الخازر (خازُر) والخوصر (خُصُر) في العراق، الخابور (خابور)، البليخ (بَليخُ)، الساجور (ساجورُ)، الهرماس (خَرمش) (الجغجغ) وعفرين (أَبْرِي) في سورية.

المدن التي ذكرت بأسمائها الحالية نفسها في النصوص المسمارية، أي أن تاريخ كل منها يعود إلى ما بين 5000 – 2000 عام مضى، وهذه المدن (مع ألفاظ أسمائها القديمة في النصوص المسمارية بين قوسين): أربيل (أربئيل)، عانة (أنَة)، هيت (إيدُ)، بلد/ أسكي موصل (بَلاطُ)، فلوجة (پُلُكَّة)، تكريت (تِكريتين)، خنس (خُنُس)، سامراء (سُرَّمرَاتِ)، سنجار (سِنجارَ)، قوماني (قومانو) و كرمليس (كَرْمَلْيِسَ) في العراق. أرسوز (أُرُوسَ)، أرواد (أرواد) أعزاز (خَزَازُ)، آفس (أَبِسُ)، الاتارب (أَلْتَارِبِ)، تدمر (تَدْمُرَ)، جبلة (جُبَلَا)، حارم (خُرْمُ)، حسيا (خيسا)، حلب (خَلَبُ)، حلبون (خُلْبون)، حماة (خَمَاة)، خان شيخون (أَشْخَانِ)، دانا (دانا)، دمشق (دِمَشْقَ)، ربلة (رَبْلَا)، المعرة (أَرَا)، منبج (نَمْبِجُ)، نيرب (نَيْرَبَ) ويبرود (يَبْرُودُ) في سورية. بيروت (بَيْرُوتُ)، جبيل (جُبَلَا)، حريصا (خَرِيصو) صرفند (صَرِيْفَةُ)، صور (صُورُ)، صيدا (صَيدُونُ)، عميون (إِمِيو)، كامد اللوز (كُمِيد)، لبوة (لباءُ) وناعمة (إِنْمِي) في لبنان. العقبة (أَقْبَا)، عمّان (أَمّان) ومؤاب (ماء اب) في الأردن. أشدود (أسدودُ)، عسقلان (إِشْقَلُونَ)، عكا (أَكُّو)، غزة (خَزَّةَ) ويافا (يَاپُو) في فلسطين. صا الحجر (سايي) في مصر. تيما (تيما)، خيبر (خَبُرَ)، دومة الجندل (أَدُومَّةُ)، فدك (پِدُّكُّ) ويثرب/ المدينة المنورة (يَتْرِبُ) في العربية السعودية. إزكي (إزكي) في (عُمان). قندهار (كُنْدَارَ) في أفغانستان، حلوان (خُلْمان)، الشوش (شوشان) وهمدان (أَجْمَتَانَ) في إيران. آمد/ ديار بكر (آمِدُ)، حرّان (خَرَّانُ)، طرسوس (تَرْزِي)، قهرمان مرعش (مَرْقَسُ)، ماردين (ماردِيْنِي)، مِديات (مَتِيَات) ونصيبين (نَصِيبِينَ) في تركيا. يافوس (يَاپَا) وتميس (تَمِيسُ) في قبرص.

مدن متخصصة في العراق القديم

كشفت لنا عملية التوثيق الواسعة والمتواصلة في حضارة وادي الرافدين القديمة عن مفاجأة مثيرة للدهشة إلى حد بعيد، وهي ما نعلن عنه لأول مرة هنا. ذلك أنه وجدت في العراق القديم مدن تخصصية في عصور حضارته القديمة. ومبعث الدهشة في هذا الأمر أن المدن المتخصصة ظاهرة مقترنة بالعصور الحديثة في المقام الأول، وما كان متوقعاً أن تظهر بمعيار واسع في العصور القديمة. لقد بدأ ظهور هذا التخصص الوظيفي للمدن والحواضر في العراق القديم منذ الألف الثالث قبل الميلاد حين وجد حي سكني أو بلدة صغيرة، في الطرف الجنوبي – الشرقي من مدينة لجش (تلول الهبا حالياً في محافظة ذي قار)، تحت اسم جُنَّابَا. كانت هذه البلدة الصغيرة مخصصة لسكن المترجمين للغة ملوخا (وادي السند القديمة) التي كانت لها صلات تجارية وثيقة مع حضارة وادي الرافدين. وقد حمل بعض أولئك المترجمين أسماءً مصاغة باللغة السومرية أو الأكادية، فيما احتفظ بعضهم الآخر بأسماء سندية. وقد استمرت هذه البلدة في الوجود خلال عصور فجر السلالات، السلالة الأكادية وسلالة أور الثالثة.

في العصر البابلي القديم برزت مدينة "شادُّومْ"، التي يعني اسمها في اللغة الأكادية "ذات الألواح الكتابية". وقد اكتشفت بقاياها في تل حرمل في شرقي بغداد. وتدل البقايا المكتشفة من هذه المدينة أنها كانت مخصصة للتعليم، أي أشبه ما تكون بمدينة جامعية، وامتد تاريخها من الألف الثالث قبل الميلاد إلى العصر البابلي الوسيط. واستخرج من موقع هذه المدينة عدد كبير من الألواح الطينية المدونة بالكتابة المسمارية وتحمل نصوصاً قانونية وإدارية ورياضية. وهناك مدينة متخصصة أخرى كشف عن بقاياها في تل دريهم في محافظة الديوانية. والاسم القديم لهذه المدينة هو "پُزرِش – دَجان"، وقد تأسست في العام السابع والثلاثين (2093 ق.م) من عهد شُلجي، ثاني ملوك سلالة أور الثالثة، الذي أطلق عليها اسمها الأكادي، ومعناه "في حماية دَجان". ودَجان اسم معبود أموري (كنعاني). كان الغرض من تأسيس هذه المدينة أن تكون مخصصة لحظائر إيواء الحيوانات وإدارة شؤونها. وقد استخرجت من موقعها آلاف الألواح الطينية المسمارية التي توثق إدخال الحيوانات إلى حظائر المدينة وإخراجها للمعابد الكبرى أو للقصر الملكي في أور. وكانت ضمن الحيوانات الموجودة في حظائر هذه المدينة الثيران، الخراف، الغزلان، الخيول، الحمر الوحشية والمدجنة، الماعز والدببة. ومن بين النصوص المسمارية المكتشفة من هذه المدينة كشوفات إدخال وإخراج للحيوانات من حظائرها. ومن المدن المتخصصة المهمة في العراق القديم نذكر مدينة "إيسن" (إيشان بحريات في محافظة الديوانية حالياً) التي استمرت في الوجود طوال العصور التاريخية القديمة لحضارة وادي الرافدين. كانت هذه المدينة متخصصة بالطب وتدريب الأطباء، وكانت الإلهة الرئيسية فيها "جولا" التي عدت إلهة للطب والشفاء في المعتقدات القديمة.

وإذ يطول الحديث عن المدن المتخصصة في العراق القديم خلال العصور القديمة المختلفة نقصر حديثنا هنا عن عصر واحد فقط، وهو العصر البابلي الحديث (626 – 539 ق.م). فمن هذا العصر وثقت النصوص المسمارية اسماء ثماني عشرة مدينة تخصصت كل منها بحرفة أو مهنة أو ممارسة اقتصادية أو اجتماعية محددة. وإذا كانت هذه المدن غير مكتشفة بعد فإن النصوص المسمارية التي ذكرتها تتضمن الدليل على موقع كل منها. وفيما يأتي معاني أسماء بعض هذه المدن، التي تدل على تخصصاتها، ومواقعها بحسب الدليل المتوافر في النصوص المسمارية: مدينة النوادي، مدينة الأجانب ومدينة الأضاحي في محافظة بابل. مدينة الإسكافيين، مدينة العرب، مدينة الرعاة وبلدة النحاسين في محافظة الديوانية. مدينة الإسكافيين، مدينة المزارعين، مدينة المقاتلين في العربات الحربية، مدينة الندابين، مدينة النبيذ، مدينة جز الصوف ومدينة تقطيع حجر البريخ في محافظة المثنى. مدينة المساعدين في محافظة ديالى.

ألعاب للكبار من عمق التاريخ

عرفت حضارة وادي الرافدين عدداً من ألعاب الكبار وتشاركت بها مع حضارات وبلدان أخرى عبر الزمن. ولهذه الألعاب دلالات على الحياة اليومية في الحضارات القديمة وعلى ميول السكان القدماء ومهاراتهم أيضاً. ومن المعروف لعلماء الآثار أن تمييز اللعب ومعرفة وظائفها من الأمور المعقدة في الاستكشاف الأثري، وكثيراً ما يصعب تحديد الغرض من قطع أثرية معينة فيما إذا كانت لعباً أم قطعاً تخدم أغراضاً أخرى. وقد وثقت النصوص المسمارية عدداً من اللعب والألعاب ولكن هناك قطعاً مكتشفة لم تقترن بأدلة كتابية على استعمالها. ومن هذا القبيل اللعبة التي تذكرها النصوص المسمارية باسم "زمرة الكلاب" التي من الممكن الاستدلال على أدواتها من خلال النصوص القديمة.

من بين أشهر ألعاب الكبار على مر التاريخ هي تلك التي اكتشفت في المقبرة الملكية في أور، وهي عبارة عن لوح خشبي بطول 27سم مطعم بالأصداف المنقوشة والحجر الكلسي الأحمر واللازورد. ومن الواضح أنها تتطلب لاعبين، إذ وجدت أقراص صغيرة للتحريك على المربعات التي تعلو اللوح، وعددها عشرون مربعاً. أما الأقراص فهي مجموعتين إحداهما سوداء والأخرى بيضاء وعددها في كل مجموعة سبعة أقراص نقشت في وجه كل واحد منها خمس نقاط دائرية. أما طريقة اللعب فلا يوجد عنها شيء في النصوص الكتابية، ولذلك صارت مثار تكهنات مختلفة. وإحدى تلك التكهنات وضعتها شركة بريطانية لصنع الألعاب، وقامت هذه الشركة بتصنيع نماذج لهذه اللعبة وسوقتها، وقد لاقت رواجاً كبيراً.

وحينما كان كاتب المقال يقوم بالتنقيب في تل السيب، في عام 1979م، اكتشف قطعة أثرية مصنوعة من الطين بطول 22سم. وفي هذا الموقع نفسه اكتشف الكاتب بقايا مدينة ميتزان (ميترناه) القديمة التي يعود تاريخها إلى العصر البابلي القديم. لم تكتشف في حينه قطع أخرى ملحقة بهذه القطعة المكتشفة، والتي أعطيت رقم الحفريات سيب 282، وسلمت إلى المتحف العراقي بمحضر رسمي مثل كل القطع المكتشفة في ذلك الموقع. في ذلك الحين كان هناك افتراض بأن القطعة عبارة عن لعبة ولكن لم يتوفر الدليل على ذلك سوى أنها تحمل عشرين مربعاً، وهو العدد المساوي لما وجد على لعبة المقبرة الملكية في أور ولكن بترتيب مختلف. ولذلك قام الكاتب بنشر صورة القطعة الطينية في كتابه "حقيقة السومريين ودراسات أخرى في علم الآثار والنصوص المسمارية، (دمشق، 2007م)" الذي ضمنه نتائج تنقيبه في تل السيب. وقد أرفقت صورة القطعة مع تعليق يبين أن استعمالها كان لغرض غير معروف. وما يمكننا إضافته اليوم أن لعبة من العاج صنعت بشكل لوح صندوقي وجدت في قبرص يعود تاريخها إلى نحو ستمائة عام بعد تاريخ قطعة تل السيب، وثبت أنها لعبة مع قطعها المتحركة كاملة، وتحمل مربعات بالعدد نفسه مع قطعة تل السيب وبالترتيب نفسه أيضاً. وقد نشر رسم لهذه القطعة في كتاب عالم الآثار الأمريكي هنري فرانكفورت عن الفن في الشرق الأدنى القديم. لكن فرانكفورت لم يكن مهتماً باللعبة نفسها وإنما بالمشهد الفني المصور على جانبها. وهذا المشهد يصور ممارسة صيد الثيران الوحشية بواسطة العربات. وبهذا ثبت أن قطعة تل السيب كانت النسخة الشعبية الأولى لهذه اللعبة التي دامت ستة قرون على الأقل. وقد كان اكتشاف اللعبة المتأخرة في موقع أينكومي الأثري بالقرب من الساحل الشرقي لقبرص. ويذهب بعض علماء الآثار إلى أن الاسم القديم لهذا الموقع هو ألاشيا التي كانت عاصمة للبلاد المسماة باسمها. ومن الجدير بالذكر أن ألاشيا هو الاسم الذي ورد في النصوص المسمارية باعتباره الاسم القديم لقبرص.

من القطع التي اتضح أنها من ألعاب الكبار عدة ألواح حجرية سبق أن وجدها المستكشف البريطاني هنري ليرد في موقعي النمرود (كلخ القديمة) ونينوى. ومن هذه القطع كسرة من حجر المرمر المرقش نقشت عليها كتابة مسمارية تدل على أنها من ممتلكات الملك الآشوري أسرحدون (680 – 669 ق.م). مسار قطع اللعب موضحة على سطح هذه الكسرة بثقوب يتوسط بعضها زهرة الروزيتا. وكانت هذه اللعبة تدعى في النصوص القديمة باسم "لعبة الثقوب الثمانية والخمسين" وتؤدى بتسابق اللاعبين من خلال قطع عضوية تحرك على المسار عن طريق رمي النرد الذي عرف منه نوعان في وادي الرافدين أحدهما بأربعة أوجه، والآخر بستة أوجه. وكانت هذه اللعبة قد ظهرت في مصر في نحو العام 2000 قبل الميلاد، ونالت شعبية كبيرة في الشرق الأدنى القديم خلال الألفين الثاني والأول قبل الميلاد. وأثبتت المكتشفات الأثرية أن هذه اللعبة كانت تمارس في كل مستويات المجتمعات القديمة.

السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو إذا كانت قطع صغيرة تقدم مثل هذه المعلومات، فما الذي يمكن أن تقدمه مئات الآلاف من القطع المكتشفة حتى الآن؟ أن ما كشف عنه من آثار حضارة وادي الرافدين لا يمثل أكثر من خمسة بالمائة مما هو موجود في الواقع، وأن ما درس بالتفصيل مما هو مكتشف لا يزيد على ستين بالمائة. ومن هذه النسبة لم يطلع بنو قومنا سوى على أقل من 5% مما درس، وهذا يبين مدى ما هو مجهول عن هذه الحضارة العظيمة، ومدى ابتعاد قومنا عن معرفتها في عصرنا الحديث. فكيف يعالج هذا الخلل في التعريف بهذه الحضارة لقطع الطريق على الادعاء والتزييف من خلال مواقع التواصل التي لا يمر يوم من دون بث معلومات لا أساس علمي لها؟ الجواب ببساطة يتمثل بثلاث خطوات، وهي:

(1) وضع خطط للتنقيب الأثري والاستكشاف العلمي وفاقاً لمعايير علمية دقيقة تشمل المشاريع الإنقاذية والبحث عن الأجوبة العلمية وتحديد طرق التنقيب الصحيحة وقواعد نشر النتائج المتحققة.

(2) رفع مستوى التدريس في علم الآثار ووضع برامج التدريب والتخصص عالي المستوى.

(3) التوسع في النشر والتثقيف وإدارة التراث الأثري علمياً وتطوير المتاحف ووضع خطط واسعة لترجمة ما نشر حتى الآن عن حضارة وادي الرافدين.

وبدون هذه الخطوات ستبقى حضارة وادي الرافدين كما جبل جليد مغمور ولا تظهر سوى قمة منه هي كل ما يرى ويدرس بسطحية وارتجال. ومن الظلم أن تكون هذه الحضارة الرائدة المبدعة مجهولة بهذا الشكل في موطنها. والأكثر ظلماً أن يتحدث عنها من لا معرفة له بها ويجد الكثيرون ممن يصدقونه. وما تستحقه هذه الحضارة ويستحقه العراق هو أفضل بكثير من هذا.