ظاهرة "الموسيقي الأعمى" في مملكة ماري

فاروق إسماعيلأكاديمي، مختص في لغات الشرق القديم وآثارهشهد الشرق القديم اهتماماً بالموسيقا، وتطورت فيه صناعة الآلات الموسيقية مع مرور الزمن، واشتهرت بينها القيثارة المكتشفة في “أور” جنوبي الع

أ.د. فاروق إسماعيل

أ.د. فاروق إسماعيل

بروفيسور

٢٠ يوليو ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
ظاهرة "الموسيقي الأعمى" في مملكة ماري

فاروق إسماعيل

أكاديمي، مختص في لغات الشرق القديم وآثاره

شهد الشرق القديم اهتماماً بالموسيقا، وتطورت فيه صناعة الآلات الموسيقية مع مرور الزمن، واشتهرت بينها القيثارة المكتشفة في “أور” جنوبي العراق و”دِلمون” في البحرين.

وكان الأداء الموسيقي جزءاً أساسياً من شعائر الاحتفالات الدينية، ومن المناهج التعليمية في المراحل المتقدمة، وخُصصت للموسيقا معاهد خاصة، وتشكلت فرق موسيقية تؤدي عروضاً في المناسبات، ضمت في الغالب نساء؛ كما في فرقة “إزامو” في مملكة ماري “تل الحريري”، جنوب شرقي دير الزور.

وأُعجب ملوك ماري بنمط الغناء الشائع في بلاد “سوبارتو” في شمالي بلاد الرافدين، ووجهوا باستقدام مغنين من هناك، وضمهم إلى الفرق الموسيقية.

وكان المعيّن في منصب كبير الموسيقيين في ماري يتمتع بمكانة رفيعة في القصر الملكي تجعله مقرباً من الحاكم، ويحظى بثقته، ويكون في مرتبة مماثلة لكبار القادة العسكريين والموظفين الإداريين، يختاره الملك ويعينه، ويعمل في مقر خاص أو معهدٍ يسمى “mummum” وتذكر النصوص أسماء عدد منهم، لعل أبرزهم “أور-نانشه” كبير الموسيقيين في عهد الملك “إبلُل-إيل” أحد حكام فجر السلالات المبكرة في ماري في القرن الرابع والعشرين قبل الميلاد، وهو الذي شاع خطأ أنه معبودة أنثى، وأن الاسم المدوّن عليه هو “أور-نينا”.

تشير المصادر الكتابية السومرية منذ القرن الرابع والعشرين قبل الميلاد، وخلال عصر سلالة “أور الثالثة” في القرن الواحد والعشرين قبل الميلاد، إلى أن الشخص الأعمى في السومرية “igi nu-du8″، وفي الأكّدية ” lā nāṭilu” كان يُكلّف عادة بالعمل في الحدائق، وسحب الماء من الآبار والقنوات، وطحن الحبوب، وفي ورشات النسيج، كما كانت التسمية تستخدم مجازياً للدلالة على الشخص غير الماهر في عمله.

وتعود ظاهرة التعمية “ḫuppudu” المتعمّدة في بلاد الرافدين إلى عصر سلالة “أور الثالثة”، وورد ذكرها في نص سومري يصوّر حملة “شو-سين” ملك أور 2037-2029 قبل الميلاد في السنة السادسة من عهده إلى مناطق حكم “شيمَشكي” السلالة الإيرانية القديمة التي استقلت بحكم مناطق واسعة في شمالي بلاد “عيلام” وهي حالياً في مناطق وادي بو روجرد، قرب مدينة خورّم أباد. جاء فيه:

“لقد عمّى الرجال العمال في تلك المدن التي احتلها، ووضعهم في خدمة حدائق المعبودين إنليل ونينليل، وحدائق المعبودات الكبرى. أما النساء العاملات في المدن التي احتلها فقد خصّصهنّ للخدمة في ورشات النسيج الخاصة بالمعبودين إنليل ونينليل، وفي معابد المعبودات الكبرى”.

وتبين الكتابات المسمارية وجود مكفوفين بين موسيقيي بلاد الرافدين، ولكن بأعداد قليلة، وكان الطفل المكفوف يُعدّ قابلاً لتعلم الموسيقا أكثر من أقرانه المبصرين الذين يتلقى تدريبه معهم، وتمتع بعض العازفين والمغنّين منهم بشعبية كبيرة في مدينة ماري.

واللافت للانتباه ما جاء في نصوص أرشيف ماري عن معالجة عيون أطفال مقبلين على تعلم الموسيقا في ماري، ولكنهم لم يكونوا بارعين فوُصفوا بالعبارة ” lā banûtimغير مؤهّلين جيداً”، وحصل ذلك بتعميتهم عمداً إيماناً بفكرة أن العمى يمكن أن ينمّي حاستي السمع واللمس لديهم، ومن ثم تحسين الأداء الموسيقي.

وتشير داليا شحاته في كتاب قيّم لها باللغة الألمانية عن الموسيقيين وتراثهم الغنائي في العصر البابلي القديم، صدر في 2009 إلى احتمال أن إجراء التعمية آنذاك كان يهدف إلى منع حصول أيّة علاقة محتملة قد تظهر بين الموسيقي ونساء من الحريم الملكي، وربما كان وسيلةً للمنع من الهروب.

وتشير نصوص من ماري إلى أن “أُصُر-أوَسّو” أحد الإداريين البارزين في القصر الملكي خلال عهد “يَسْمَخ-أدّو” كان يتولى مهمة تنفيذ التعمية، وثمة سبع رسائل أرسلها إلى سيده (ARM 26/2, 284-300)، يعلمه في إحداها أنه قام بطمس عيون أطفال غير مؤهّلين جيداً للتحسّن في أدائهم الغنائي؛ كما طلب منه، وما يزال ينتظر المادة التي يستخدمها في ذلك، ويسميها “مُقْتِمة البصرqitm(um)”، وهو اسم مادة معدنية كانت تُحضر من بلاد “نورّوجو” على ضفة نهر دجلة، في محيط الموصل، وتستخدم لدباغة الجلود، ولأغراض علاجية أيضاً، ولعلها مادة “الشَّبّ”.

يقول في إحداها: “قُل لسيدي؛ هكذا يقول أُصُر-أوَسّو، خادمك: كتب سيدي إليّ بخصوص (المادة) مُقْتِمة البصر ما يأتي: “لقد أعطاني أبي المُقْتِمة (التي أحضرها) من (بلاد) نورّوجو، سأُرسل لك تلك المُقْتِمة، فإن كانت جيدة أرسل لك كثيراً منها”، ولكنهم (يا سيدي) لم يُحضروا إليّ أيّ شيء من المُقْتِمة (بعدُ)”.

ويكمل “وكتب سيدي إليّ بخصوص الأطفال غير المؤهلين جيداً، التابعين لإيلشو-إبّيشو، قائلاً: تحدّثت إليك بخصوص أن تطمس عيونهم، فلماذا لم تطمس عيونهم؟” (يا سيدي) لقد طمستُها في اليوم ذاته، وسلّمتهم لإيلشو-إبّيشو، وهم لا يعانون شيئاً في صحتهم (ARM 26/2, 297) “.

وكانت ظاهرة التعمية شائعة في مصر، كما تبين مشاهد تصويرية اكتُشفت في مدفن “نخت” الكاتب في مخازن مدينة طيبة أو الأقصر حالياً، جنوبي مصر خلال عهد الملكين تحتمس الثالث والرابع 1479-1391 قبل الميلاد، وفي مدفن “مريرا” كبير الكهنة في “آخت أتون” تل العمارنة حالياً خلال عهد أمنحتب الرابع/أخناتون 1352-1336 قبل الميلاد، وغيرها.

ظاهرة "الموسيقيّ الأعمى" في مملكة ماري - صحيفة الثورة السورية

اقرأ أيضاً

مقالات ذات صلة

لعبة الكرة القديمة في حضارات أمريكا الوسطى

٢١ يوليو ٢٠٢٦

لعبة الكرة القديمة في حضارات أمريكا الوسطى

تُعدّ كرة القدم الرياضة الأكثر شعبية في العالم، ويمارسها مئات الملايين من الناس في مختلف القارات. ومع ذلك، لا تزال أصولها الأولى غير واضحة، ولا نعرف على وجه اليقين إلى أي مدى مارست شعوب العصور القديمة هذه الرياضة بالشكل الذي نعرفه اليوم أو بأشكال مشابهة لها.

"إزكي" ذكرت باسمها الحالي في نصوص الملك الآشوري بانيبال عام 640 قبل الميلاد

٢٠ يوليو ٢٠٢٦

"إزكي" ذكرت باسمها الحالي في نصوص الملك الآشوري بانيبال عام 640 قبل الميلاد

في حوار لجريدة «عُمان».. الباحث البروفيسور نائل حنون: مدينة إزكي ذكرت بوضوح باسمها الحالي في نصوص الملك الآشوري آشور- بانيبال عام 640 قبل الميلاد حاوره ـ يوسف بن سالم الحبسي: «تصوير: حسين المقبالي» 03 أغسطس 2024

من الخيمة إلى العمارة

١٩ يونيو ٢٠٢٦

من الخيمة إلى العمارة

يُعدّ تطور المساكن والمباني جزءًا أساسيًا من تاريخ الحضارة الإنسانية. فمنذ نحو 17 ألف عام، بدأت الأكواخ والخيام التي كان يستخدمها الرُحَّل تتطور تدريجيًا إلى مساكن أكثر ثباتًا واستقرارًا. ويرتبط هذا التحول، من بين عوامل أخرى، بتعلّم الإنسان الزراعة واستصلاح الحقول، الأمر الذي شجّعه على الاستقرار الدائم في مكان واحد، مما مهّد الطريق لنشوء القرى ثم المدن وتطور العمارة عبر العصور.